الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

15

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الكذب . هذا إذا جعل القول المأخوذ من يَقُولُونَ خصوص قولهم : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ الكهف : 4 ] . ولك أن تحمل يَقُولُونَ على العموم في سياق النفي ، أي لا يصدر منهم قول إلا الكذب ، فيكون قصرا إضافيا ، أي ما يقولونه في القرآن والإسلام ، أو ما يقولونه من معتقداتهم المخالف لما جاء به الإسلام فتكون جملة إن يَقُولُونَ تذييلا . [ 6 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 6 ] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) تفريع على جملة وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ الكهف : 4 ] باعتبارهم مكذبين كافرين بقرينة مقابلة المؤمنين بهم في قوله : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ [ الكهف : 2 ] ثم قوله : وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ الكهف : 4 ] . و ( لعل ) حقيقتها إنشاء الرجاء والتوقع ، وتستعمل في الإنكار والتحذير على طريقة المجاز المرسل لأنهما لا زمان لتوقع الأمر المكروه . وهي هنا مستعملة في تحذير الرسول - عليه الصلاة والسلام - من الاغتمام والحزن على عدم إيمان من لم يؤمنوا من قومه . وذلك في معنى التسلية لقلة الاكتراث بهم . والباخع : قاتل نفسه ، كذا فسره ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جبير . وفسره البخاري بمهلك . وتفسيره يرجع إلى أبي عبيدة . وفي اشتقاقه خلاف ، فقيل مشتق من البخاع بالباء الموحدة ( بوزن كتاب ) وهو عرق مستبطن في القفا فإذا بلغ الذابح البخاع فذلك أعمق الذبح ، قاله الزمخشري في قوله تعالى : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ في سورة الشعراء [ 3 ] وانفرد الزمخشري بذكر هذا الاشتقاق في « الكشاف » و « الفائق » و « الأساس » . قال ابن الأثير في « النهاية » : « بحثت في كتب اللغة والطب فلم أجد البخاع بالموحدة » يعني أن الزمخشري انفرد بهذا الاشتقاق وبإثبات البخاع اسما لهذا العرق . قلت : كفى بالزمخشري حجة فيما أثبته . وقد تبعه عليه المطرزي في « المغرب » وصاحب « القاموس » . فالبخع : أصله أن يبلغ الذابح بالذبح إلى القفا ثم أطلق على القتل المشوب بغيظ . والآثار : جمع أثر وهو ما يؤثره ، أي يبقيه الماشي أو الراكب في الرمل أو الأرض من مواطئ أقدامه وأخفاف راحلته . والأثر أيضا ما يبقيه أهل الدار إذا ترحلوا عنها من